محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
258
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
وذلك أيضا تنقيص لحاله في طينته ؟ ! وما الفرق بين قولهم : وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ، وذلك إعجاب منهم بأقوالهم الظاهرة ، وبين قول اللعين : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ ، * وذلك إعجاب منه بنفسه ومادّته ؟ ! قيل في الجواب : إنّ الملائكة - عليهم السلام - عارضوا بذلك القول عند الخبر تعجّبا لا إعجابا ، واستعلاما لا إنكارا ، وإنّ اللعين عارض بذلك القول عند الأمر إعجابا لا تعجّبا وإنكارا لا استعلاما ، أما رأيت الملائكة لمّا توجّه إليهم التكليف : اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ؟ ! فما تردّدوا عند الأمر لمّا قيل لهم اسجدوا ، وقالوا : سمعنا وأطعنا ؛ فسجدوا سامعين مطيعين ، وكان الإباء والاستكبار من اللعين عند الأمر ، قال : سمعنا وعصينا فأبى واستكبر على الأمر وكان من الكافرين بأصل الأمر ؛ إذ لو كان يعتقد أنّ للّه الأمر كما له الخلق لاعترف بأمره مطيعا كما اعترف بخلقه مجبورا ، بل كان يذهب مذهب الصابئة والفلاسفة من انتهاء الخلق بذاته تعالى وصدوره من ذاته لا من أمره ، وقد قيل إنّما رأى المفاضلة بالطينة والمادّة ، لا بالصورة والأمر ؛ فأفحم بقوله : ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك ، ولمّا رأى الملائكة المفاضلة بالصورة والأمر حين قال : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إذ رأوا التسوية ونفخ الروح فيه وسمعوا الأمر بالسجود وكان بصرهم إلى الصورة وسمعهم إلى الأمر قالوا : أبصرنا وسمعنا وأطعنا . فإن قال قائل : نحن تحيّرنا في كثرة أقوال المفسّرين ( 111 ب ) في الملائكة المأمورين بالسجود ، أهم ملائكة مخصوصون أم الملائكة أجمعون ؟ ! وفي قولهم في تفسير وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ما الباء فيه وما اللام في نقدّس لك ؟ وكذلك في جميع القرآن يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ * فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ . * قيل في الجواب عن الملائكة : إنّ ظاهر الآية يدلّ على العموم ، خصوصا ذكره عند السجود فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * بصريح العموم ، لكنّك ينبغي أن تعرف أنّ الملائكة قوم من الروحانيين ، وأنّ العالين العلّيين قوم ، وأنّ المقرّبين الكرّوبيين قوم ، وهم طبقات . قال اللّه تعالى لإبليس : أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ ؛ والقسمة بأمر يقتضي التمييز بين القسمين ؛ فلا يجوز أن نحمل العالين